حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
61
شاهنامه ( الشاهنامه )
لم يبق لي الشوق لا صبرا ولا جلدا * فليصبرن خلىُّ يملك الخَلدا فصارت لا تستأنس إلا بوصفه ، ولا تستريح إلا إلى ذكره . فلما أبصرن ذلك طفقن يعللن قلبها ويقلن : إنا سنتدبر في شأنك وسنجمع بينه وبينك . ذهاب جواري روذابه لرؤية زال زر وكان معسكر دستان قريبا من قصرها . فلبسن وشائح الحلل ، وتبرجن للألحاظ والمقل . وأخذت كل واحدة منهن ّ على يدها طبقا من ذهب ، وصرن إلى بستان قريب منه على شط نهر ، وجعلن يجتنين الورد والياسمين وأنواع الرياحين ، وينضدن ما يجتنينه على الأطباق . وذلك بمرأى من دستان . فأبصرهن من تحت السرادق وسايل عنهن ّ . فقيل وصائف خرجن من قصر مهراب إلى هذا البستان ، يجتنين الورد والريحان . فدعا بالقوس والنشاب وقام يتمشى بين تلك الرياض ، ومعه جماعة من صغار الغلمان الحصارية فلما قرب من الماء أزعج طيرا ورماه بنشابة فوقع الطير إلى ذلك الجانب من الماء ، بين أشجار الورد والياسمين ، عند الجواري المذكورات . فأمر بعض الغلمان بالعبور إلى ذلك الجانب وأخذ الطير . فلما عبر الغلام إلى البستان سايلته إحداه عن الشاب . فقال الوصيف : هذا ابن ملك الهند ، وهو كما ترين يروق العيون جمالا ، ويملأ القلوب كمالا . وطالت مسارتهما . فضحكت الجارية وقالت للغلام : إن وراءنا في الحجاب سيدة كالقمر ليلة التمام . وأخذت تصف صاحبتها له وهو يصغى إلى ذلك . ثم رجع بالطير إلى صاحبه فساءله عن الجارية وعما حاورته فيه . فسرد عليه ما جرى بينهما . فسر بذلك حتى تورّدت صفحات وجنته ، وتهللت أساير جبهته . ثم رد الغلام إلى الجارية وأمرها ألا تبرح من البستان إلا بإذن الملك . ودعا الخازن وأمره فأحضر قطعا من الجواهر النفيسة فأنفذها على يد ذلك الغلام إلى الجارية ، وأمرها أن تحملها إلى صاحبتها ، وبأن لا تبرح من مكانها حتى يحملها رسالة إليها . فقالت الجارية : إن كان للملك رسالة فلا يسمعنها غيرى . فان السر إذا جاوز اثنين لا يبقى مكتوما ، وكان بالإذاعة قمينا . فتجشم الملك النهوض إلى البستان ، وخلا بتلك الجارية وباح إليها بمكنون سره ، وأخبرها بما انطوى عليه قلبه من حب صاحبتها . رجوع الجواري إلى روذابه ثم رجعت الوصائف الخمس إلى القصر ، وبشرت تلك الجارية سيدتها بأن قلب الملك هائم بها ، وأن وجده بها فوق وجدها به . وقدّمن الجواهر التي . أنفذها بين يديها . ففرحت بذلك وسرى عنها بعض همومها . ثم تردّدت